: بقلم دكتور مصرى حنورة -
" طفا على سطح الأحداث فى الحقبة الأخيرة اتجاه جديد، صك عقولنا قبل أسماعــنا بمــا توفر له من الغموض، وانتشر رويدا ، رويدا فى الخطاب الإعلامى لعلم النفس ، وأثار جـــدلا كثيرا بين مؤيديه ومنكريه، ولأن هذه النشرة تعنى بإلقاء الضوء من متخصصين عــــــلى مـــا يصول ويجول فى الميـادين غير التقليديـة لعلم النفس ، فــقـد طـــلبنا من د. مـصـرى حـنــورة أستـاذ عـلـم النـفــــس بجامعة المنيا أن يخص النشرة الإعلامية للرابطة بما يلقى الضوء على هذا الاتجاه، وقد تفضـــل مشكورا بالاستجابة لهذا الطلب فكان هذا المقال ، وننـــشر تكملة له فى العدد القادم " . الــمحرر منذ أكثر من ألفى عام أطلق الفليسوف سقراط مقولته الشهيرة " أعرف نفسك " ، وبعد عشرات من السنين نشأت المدرسة الرواقية والتى كان من أهم مبادئها التحكم فى الذات أو ضبط الذات، من خلال تقوية الإرادة وامتلاك الحرية الذاتية، بعد ذلك جاء السيد المسيح وله قولة مشهورة : ماذا تجنى إن كسبت العالم وخسرت نفسك ، ثم جاء نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام وكان من أقواله المأثورة ما معناه " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " ومن بين رعايا الفرد الذات أو النفس، وعلى المرء أن يرعى نفسه ، وتوالت المدارس الفلسفية والصوفية وغيرهم التى تحض على رعاية الذات . وفى السنوات الأخيرة نشأ اتجاه أطلق عليه أصحابه البرمجة العصبية اللغوية ( NLP ) أو Neuro Languagestic Programming ومن رواده الأوائل جون جرندر وريتشارد باندلر الأول عالم لغويات ، والثانى عالم رياضيات وعالم نفسى سلوكى . ويهدف المنحى النفسى أولا وأخيرا إلى جعل الإنسان قادرا على إدارة شئونه، بما فيها إدارة الذات Self Management ، والتى يتفرع منها أو يترتب عليها إدارة كل ما هو مرتبط بتلك الذات . فالإنسان الفرد ليس كيانا مستقلا عن الواقع وهو ليس كيانا مستقلا عن الآخرين، كذلك فإن هؤلاء الآخرين ليسوا مجرد كائنات فردية منعزلة أو متشرذمة ، كلا، فهى كيانات لها علاقاتها المتبادلة، ولها نظمها الثابتة، ولها تفاعلاتها الدينامية سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الجماعات ، أو على مستوى المجتمعات، والتجمعات الإقليمية والعرقية، ( جغرافيا من حيث المكان، وتاريخيا من حيث الزمان ) . ونقطة البداية دائما من وجهة نظر أصحاب هذا المنحى أو الاتجاه هى إرادة ووعى الإنسان الفرد الذى يكون مع غيره من البشر، جماعات لها أيضا وعيها ولها إرادتها ، وعندما يكون هذا الفرد قادرا على أن يشحذ وعيه وينشطه، فهو يتحول من مجرد جماد أو كائن حى معطل من المعرفة إلى إنسان واع لديه ذاكرة ، ولديه إدراك وفهم واستيعاب، ولديه خيال، ويتحقق له بذلك المتصل النفسى الزمنى ( الممتد من الماضى " ذاكرة " إلى الحاضر " إدراك وفهم واستيعاب " إلى المستقبل " تخطيط وخيال " ) هذا الوعى يمكن أن يظل قابعا هكذا داخل الصندوق المغلق الذى هو الذات بأجهزتها النفسية المختلفة إلى أن يتم تنشيط جهاز الإرادة، والذى يعنى الانتقال من هذا المستوى المعرفى الكامن إلى مستوى ترجمة الفكر إلى عمل محمول على جناحى الدافعية أو الرغبة ومتشكلا فى الأطر التشكيلية أو التعبيرية المناسبة ، ومخاطبا ومتفاعلا مع الجماعة التى ينتمى إليها أو التى يرغب فى التواصل معها . هذه هى بإيجاز الدعامة المبدئية التى ينطلق منها كل من يسعى إلى التأثير فى السلوك الفردى والاجتماعى ، بما فى ذلك طبعا تمكين الفرد من رعاية وضبط " ذاته " أولا ليكون قادرا بعد ذلك على التعامل مع ذوات الآخرين سواء على مستوى الأفراد كأفراد بوصفهم أعضاء فى جماعات . والبرمجة العصبية اللغوية تعتمد على التأثير فى القوى النفسية الكامنة داخل الإنسان من مداخل التأثير الإيحائى Suggestibility والقابلية للإيحاء تستخدم فى مجال يعرف بالتنويم الإيحائى أو التنويم المغناطيسى ، وهو علم له أصوله العلمية بعيدا عن مدعى الدجل والشعوذة، وهو يستخدم فى مجالات تطبيقية متعددة من أهمها العلاج النفسى ( المعتمد على المنهج العلمى ) وذلك لمداواة بعض الاضطرابات النفسية والتى من أبرزها الاضطرابات النفسية البدنية أو ما يعرف باسم النفسية الجسمية Psychosomatic Disorders والمعروفة حديثا فى مجال التصنيف العلمى الطبى باسم التحولية (Conversion) ، والتنويم الإيحائى أيضا فى التأثير فى توجيه الإرادة والتحكم الذاتى فى السلوك، وهو يتم من خلال وسيط ( موجه خارجى كمعالج أو قائد ) أو شخص مؤثر ذى جاذبية ومصداقية وفاعلية، وهناك مداخل متعددة للبرمجة العصبية اللغوية ، ورغم تأييد المداخل إلا أن هناك عدة مسلمات متفق عليها يمكن إجمال أهمها فى أربعة موجهات أو عوامل هى : 1- تحديد الهدف بدقة للتوجه مباشرة إليه . 2- الحواس وتنميتها لتصبح فى أقصى فاعلية لها وكلما شحذت الحواس زادت كفاءة العملية الإدراكية . 3- المرونة وتدريبها كأساس للتكيف مع الواقع وتحقيق إنجاز إبداعى متنوع . 4- المبادرة والعمل دون الاكتفاء بالتأمل العاجز . وكما هو ملاحظ اتفاق الموجهات الأربعة مع منظورنا التكامل فى دراستنا السابقة انظر كتابنا " الشخصية والصحة النفسية " ( الأنجلو ) وأيضا كتابنا " الإبداع وتنميته من منظور وتكاملى " ( الأنجلو ) . وهناك 12 مبدأ يستند إليها المنظرون لعلم البرمجة العصبية اللغوية ، نوجزها فيما يلى باعتبارها علم التواصل الفعال وعلم التفوق الشخصى من خلال تغيير الذات إلى الأفضل ومن خلال التأثير فى الآخرين من أجل تحقيق أفضل إنجاز : 1- خريطة العالم ليست هى المنطقة التى نعيش فيها، فالعالم من حولنا متسع ، بل وهناك عوالم شتى لا نعلم عنها شيئا، وما ندركه على أنه العالم هو عالمنا الخاص، وعلينا أن نسعى لإدراك أفضل لعوالم أخرى وللعوالم الخاصة بالآخرين من حولنا . 2- لابد من احترام رؤية الشخص الآخر أو الأشخاص الآخرين للعالم، وهذا الاحترام سيساعدنا على احتواء Containment الآخرين وكسبهم إلى صفنا . 3- الإيمان بوجود نوايا إيجابية وراء كل سلوك برئ سواء من ناحيتنا أو من ناحية الآخرين، حتى لدى أولئك الذين يبدو أنهم أشرار، علينا أن نتقرب منهم ونتفهم دوافعهم ونساعدهم على أن يكونوا طيبين . 4- يبذل الناس أقصى جهدهم طبقا لما هو متوفر لديهم من معلومات ، وبالتالى علينا أن ندرس ما لدى الآخرين قبل الحكم عليهم أو التصرف نحوهم بما قد يضر بمصالحنا . 5- الإيمان بأن هناك أناسا مستبدون برأيهم، وعلينا أن نستميلهم وجعلهم قريبين بدلا من الحكم عليهم بأنهم مقاومون لنا، وتركهم ليحاربونا ويصيروا أعداءنا. 6- يكمن معنى الاتصال فى الاستجابة التى نحصل عليها، وبالتالى فعلينا أن نفسر المواقف تفسيرا موضوعيا بعيدا عن الذاتية المفرطة دون إسقاط أو تبرير أو اعتماد على الميكانيزمات اللاشعورية لدينا أو افتراض وجودها قسرا وخطأ لدى الآخرين . 7- الشخص الأكثر مرونة هو الذى يكون قائدا، ومسيطرا، وفعالا، ومبدعا أيضا . 8- الإيمان بعدم وجود شيء اسمه الفشل، والتخلى عن تراكمات الخبرات السلبية والبدء من جديد وتجنب الإحباط من خلال شحذ الوعى وتنشيط الإرادة . 9- نبذ الشكلية أو الكليشهية أو النمطية وتبنى الإبداعية فى فهم وتفسير الأمور . 10- الإيمان بوجود مستويين للاتصال الوعى واللاوعى، ولذا يجب التعمق فى دوافع الآخرين شعورية كانت أو لا شعورية حتى يتم التفاعل الواقعى والإيجابى معهم . 11- يؤثر الجسم والعقل فى بعضهما البعض من خلال التكاملية الفعالة . 12- إذا وجد شخص معجزة ينجز إنجازا إعجازيا، فمن المؤكد أن أى شخص يمكن القيام بنفس الشيء . هذا هو بإيجاز موجز سريع لمبادئ البرمجة العصبية، أما تطبيقاتها وفنياتها أو وجه الاعتراض عليها فهذا موضوع حديثنا فى العدد القادم بمشيئة الله .





