قليل من الفلسفة .. كثير من العلم 1/26/2008 9:29:01 AM
: د مصرى حنورة -
عندما يصل الانسان الي سن الاربعين تبدأ كثير من الخصائص الجسدية والوظائف النفسية في التغير، وليس كل تغير بالطبع تدهورا، فهناك الكثير من الوظائف تنضج وبصبح معها الفرد قادرا على الاداء الناجح وربما الابداعي أيضا ، ومن تلك الوظائف القدرة علي التفاوض وعلى اتخاذ القرار
ويحضرنا في هذا السياق نزول الوحي علي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في سن الاربعين وبدء ممارسة الدعوة في هذا العمر ، وكلنا يعلم مدي ما تعرض له الرسول ( ص) من صعوبات ومشاكسات ولكنه كان قادرا علي تجاوزكل الصعوبات التي واجهته وأستطاع في عدد محدد من السنين من تجميع تكتل إسلامي هداهم من الضلال الي النور وأصبحوا جندا صناديد اكتسحوا على قلتهم الإمبراطوريتين القائمتين في ذلك الوقت الروم والفرس 0
وقد تم كل ذلك بفضل حكمة القائد وقدرته علي بث القوة في النفوس وبناء مجموعة من القادة ليتبنوا الدعوة والجهاد الي أن تشكلت معالم دولة الإسلام في عدد محدود من السنين 0
الخلاصة في هذا السياق أن سن الأربعين ليست عجزا وتدهورا إلا لدي ذوي العزم الضعيف والإرادة الحائرة . والأرجح لدى بعض الباحثين أن عمر الأربعين وما بعدها حتي عمر الخمسين هي الكفاءة العقلية التي تعتمد علي النضج البيولوجي والخبرة المكتسبة التى تعتمد على جهد إرادي يبذله الفرد من أجل الوصول الي درجة عالية من الكفاءة الذاتية 0
ويرتبط بتقدم العمر ظاهرة الرجوع بالذاكرة والمقارنة بين هذا العمر ما بعد الأربعين وعمر الصبا والشباب ، خاصة أن الصبا والشباب يرتبطان بتوهج الذهن وتفتح القريحة والنضج البيولجى ، والحصول علي شهادات علمية أو غيرها من وثائق الاعتراف بالجدارة .
والرجوع بالذهن الى مرحلة الصبا لها رنين خاص فى أنفس الشباب والفتيات ، فليس منا من لم يمارس خبرات سارة وممتعة فى مرحلة الصبا والشباب ، واستعارة مذاق تلك الخبرات حتى فى الأعمار المتأخرة يخلق فى النفس حالة من الرضا والارتياح أنه حنين مشروع ، وهو أيضا حنين يتميز بأنه عام عند معظم الناس ، وما يستدعيه من ذكريات وأحلام يجعل المرء يعيش لحظات من السعادة والاستمتاع ، وكأنه يمارس نفس الخبرات التى عاينها فى صباه وشبابه .
والإنسان فى شيخوخته لا يعيش فقط على أحلام الصبا ، ولكن فى الغالب يعتمد على مخزونه المعرفي ، ويستعيد من هذا المخزون جزيئات ومفردات يستخدمها فى بناء الذكريات التى يستعيدها ، وهى فى الغالب ليست مجرد ذكريات خالصة ، بل هى أبنية معرفية متشابكة ، والانسان فى أستعادته لها يستخدم رغباته وطموحاته سواء القديمة أوالحديثة ، ويتحول شيئا فشيئا الى كيان حى يتعايش مع الفرد ، وينمو على مهل وبهدوء إلى أن يكتمل البناء وتتحول جزيئات الذكريات الى أبنية معرفية حية ، وقادرة على أن تتداخل مع المدركات المباشرة للفرد وهكذا رويدا تتواصل حياة الانسان من خلال استعادة الذكريات ومعايشة الاحلام والرغبات ،عندئذ يقر الفرد أن حياته متصلة ، وأن هناك رابطا يربط مفردات ومراحل وجزئيات تلك الحياة ، والتى بدون الحلم تصبح حياة جافة قاتمة خالية من المعنى فارغة من الحيوية .
و يخطىء الدارسون كثيرا عندما يتصورون أن حياة الإنسان مقسمة الى مجموعة من المراحل، وأن كل مرحلة لها قوانينها ، وهو مثلا ما يتجهون اليه المتخصصون فى علم نفس النمو ، وعلى رأسهم جان بياجيه ، والى حدما ، سيريل بيرت ، وفيليب فيرنون ، وغيرهم الذين أخذ عنهم علماء النفس العرب ما أخذوه ونشروه فى مطبوعاتهم التى شكلت ثقافة الدارسين المتخصصين والى حد ما عقول بعض المثقفين ، وخطأ هؤلاء وأولئك أنهم يتناسون أو يتجاهلون أن الحياة النفسية ذات ديمومة واستمرار ولايمكن تقسيمها لاستحالة ذلك عمليا ، الحياة النفسية مستمرة بفعل الأبنية النفسية المعرفية المعتمدة على فاعلية الذاكرة العملية ، والتى أصبحت بديلا عن أنواع الذاكرة وتقسيماتها الفجة .
وعود على بدء الشيخوخة وأحلام الصبا علينا أن نتعامل مع حياتنا النفسية باعتبارها حياة مستمرة لامجموعة من المراحل ، عندئذ نتجاوز أمراض الشيخوخة النفسية ونستعيد حيوية الحياة المستمرة أو تنتعش بها ونستمتع باستبعادها فى وحداتها وتكاملها .